ماكس فرايهر فون اوپنهايم
300
من البحر المتوسط إلى الخليج
[ مهام ومصالح الحكومة التركية في بناء السكك الحديدية ] منذ اتخاذ الحكومة التركية موقفا حازما ضد غزوات القبائل البدوية وغاراتها ازدادت بشكل كبير مساحة الأراضي المزروعة على نهر دجلة . وكما رأينا فقد كان السلطان نفسه قدوة في هذا المجال ، إذ قام بزراعة أراضي الدولة التي تعطي محصولا كبيرا . وليس هناك أدنى شك في أن تحويل البدو إلى عناصر مسالمة سيسير يدا بيد مع زيادة عدد السكان المستقرين ومع زيادة النشاط الزراعي . إذ إن مثال الفلاحين الذين يحققون شيئا فشيئا مزيدا من الرخاء النسبي عن طريق الزراعة سيكون له تأثيره على البدو لا سيما أن السكان المستقرين الذين يزدادون قوة ، مدعومين من الحكومة ، سيتصدون لغزو أبناء الصحراء الميالين إلى السلب والنهب . ولقد حققت هذه العملية ، الأمر الذي لا يجوز أن يبقى خارج الاعتبار ، على نهر دجلة تقدما أكبر جدا مما حققته على نهر الفرات . ومما لا شك فيه أن إخضاع البدو الذين يعيشون بجوار الفرات ويستطيعون الانسحاب إلى صحراء الحماد بكل سهولة ، والذين لم تزل فكرة أصولهم العربية انتماء وموطنا راسخة في أذهانهم ، إنما هو أصعب من دحر بدو دجلة إلى الجنوب إذا ما رفضوا التوطين وحياة الاستقرار . وعلى أي حال فإن الحكومة التركية تستطيع توجيه عدد كبير من المهاجرين « 1 » إلى المناطق التي أعيد تأهيلها للاستثمار الزراعي . ولن تكون هناك صعوبة في توفير الأيدي العاملة الزراعية ، بصرف النظر عن أن التجربة تعلمنا أن الشعوب الناهضة ، وبالتحديد الشعوب العاملة في الزراعة ، تتكاثر بسرعة عندما تنتج الأرض كميات كافية من المواد الغذائية . وعما قريب سيصبح لدى هؤلاء السكان الطموحين حاجة لا يستهان بها إلى المنتوجات الصناعية
--> - الخصبة ، يزرع القطن أيضا . ويفيد الجغرافيون العرب من العصر الوسيط أن القطن كان قبل الغزو المغولي يزرع في وادي الخابور ويصدر إلى الخارج ( انظر الفصل الأول ، ص 17 ، 31 أعلاه ) . ومن المعروف أن زراعة القطن مزدهرة في فارس والهند ، وقد ذكرنا أعلاه ( الصفحة 54 ) أن الرز يزرع عند نصيبين . وفي أجزاء مختلفة من أسفل بلاد الرافدين تزدهر زراعة الرز ، وينطبق الشيء نفسه على وادي نهر ديالى بكامله . وهناك إحصائيات هامة عن كامل الإنتاج الزراعي في ولاية بغداد موجودة عند كينيه ، نفس المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 21 . ( 1 ) قارن الجزء الأول من هذا الكتاب ، ص 93 .